recent
أخبار ساخنة

الغيرة عند الإنسان: صنوفها ودواعيها...

الغيرة عند الإنسان: صنوفها ودواعيها...



الغيرة نزعة غريزية وتفاعل طبيعي عند الإنسان، تظهر ملامحها منذ نشوء الإدراك، وتحصل ضمن مؤثرات داخلية تكوينيّة وخارجية تربوية اجتماعية ونفسيّة. تنبعث الغيرة عادة كردة فعل إزاء فعل أو حالة أو حاجة أو شعور، حيث تتفاوت في درجاتها وشدتها بين الناس، وتتحفز عادة بامتلاك الغير لسمة أو لعطاء أو لميزة، لا يمتلكها أو يعتقد بعدم امتلاكها الطرف المتأثر، أو قد يمتلكها ولكن لا يريد أن يشاركه فيها وينافسه بها طرف آخر. تنشأ الغيرة عند الإنسان منذ  فجر الطفولة وبشكل غريزي دون تعلم أو اكتساب، بينما يلعب المجتمع والمحيط والتربية وحالة المرء النفسية ووضعه المادي والثقافي دورًا مهمًّا في توطيد ظاهرة الغيرة أو إضعافها. تتباين ظاهرة الغيرة في مظاهرها وطبيعتها ودواعيها وميكانيكيتها ودرجاتها، مما يجعلنا نعتقد بضرورة التوقف ولو بشكل موجز أمام هذه الأمور، فيمكننا على ضوء ذلك تصنيف ظاهرة الغيرة إلى الصنوف الرئيسية التالية:
1 - الغيرة الفطرية: هي صفة غريزية تعد جزءًا من كيان الإنسان وصيرورته، وتعتمد في طبيعتها ودرجاتها على عوامل تكوينية داخلية وخارجيّة "تربوية واجتماعية".
2 - تبدأ ملامح هذه الغيرة عند الأطفال منذ عمر الستة شهور، وتنشأ وتنمو مع العمر ومع الظروف التربوية المحيطة. التربية العائلية وما يكتسبه المرء ويتعلمه من خلال سيرة حياته مع أبويه وأخوته وأصدقائه من جهة وفعل المجتمع برمته وتأثيراته عليه من جهة أخرى، تعد عوامل مؤثرة على طبيعة الغيرة الفطرية بنوعيها الإيجابي والسلبي وعلى درجة قوتها. ظروف صحة المجتمع المقاسة بـ "ميزان الرفاه الاجتماعي العام" بدفتيه الموجبة والسالبة، تؤثر تأثيرًا مباشرًا على تحجيم أو تحفيز ظاهرة الغيرة، وعلى تحديد طبيعتها لدى الإنسان. فالرفاه الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار السياسي والنفسي والثقافة الحضارية العامة هي عوامل إيجابية في صحة المجتمع ودورها دون شك يكون مخففًا لظاهرة الغيرة السلبية ومحجمًا لها ومحفزًّا للغيرة الإيجابية ومنشط لها، أما عكس ذلك فالفاقة والحرمان والاضطهاد النفسي والسياسي والتخلف الفكري والثقافي، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على تحفيز الغيرة الفطرية السلبية،  بينما تضعف الغيرة الإيجابية أو تمحيها!.
يقول العالم النفساني فرويد بأن كل فرد في المجتمع لديه ملامح الغيرة، ومن لا تظهر عنده هذه الملامح يعد حالة استثنائية غير طبيعية. بمعنى آخر أن لكل إنسان شعورًا بالغيرة وبنوعيها الإيجابي والسلبي وإن اختلف هذا الشعور في درجته من شخص لآخر، حيث قد يحصل التطرف والمبالغة في الغيرة عند البعض بينما يكون شعور الغيرة غير ملموس أو غير محسوس عند البعض، الآخر. ومهما يكن من أمر فإن الغيرة السلبية إن كانت في حدودها الطبيعية فهي حالة غريزية طبيعية، لكنها ستدخل خانة الغيرة المرضيّة أو وسواس الغيرة إن تعدت الحدود المعقولة، وأدت الى أضرار اجتماعية غير مستساغة.
3 - الغيرة الإيجابية أو المبدعة:  الغيرة بشكلها العام صفة مذمومة في المجتمعات، لأن المقصود فيها في الغالب الغيرة السلبية، التي قد يكون لها آثار سيئة لا تنفع في تطور المجتمع، وفي ديمومة عجلة التقدم فيه، غير أن هناك غيرة إيجابية بنّاءة، تفيد المجتمع وتساعد على نموه، وعلى تسريع حركة التقدم فيه، حيث من خلالها يشعر المرء بضرورة  التنافس من أجل الوصول إلى حالة الغير  نفسها أو أحسن منها. هذا الشعور يحفز على المثابرة والسعي لبلوغ الهدف، فيجتهد الطالب كي ينافس غيره من الطلبة من أجل الحصول على الدرجات العالية، ويسعى الفنان عندما يرى غيره من الفنانين يحصلون على أوسمة السبق، فيحاول أن يبدع للوصول إلى النتيجة نفسها، ويكافح المرء ويتطور من أجل الكسب، ليكون في درجة رفاه زملائه وأقرانه المادية والمعاشيّة نفسها، وغير ذلك من الأمثلة كثير يجتهد فيها المرء، كي يتطور وينال مبتغاه متحفزًا بعامل الغيرة المبدعة. تطور الأفراد وإبداعهم  بهذه الطريقة التنافسيّة الهادئة هو تطور للمجتمع برمته.
4 -الغيرة السلبيّة والمخربة: هي ردة فعل سلبية للطرف المتأثر إزاء الطرف المؤثر تتفاوت في درجاتها، حيث تبدأ بالمشاعر السلبية مثل الغضب والامتعاض ثم الكراهية والحقد، وتمر بمراحل الفعل مثل المنع والإعاقة لحرية تصرف الطرف الآخر، وتنتهي بالإيذاء المباشر والتخريب. تحصل ردود الأفعال هذه اتجاه الطرف المؤثر، الذي يتمتع بسمة أو بمركز أو بحالة لا يستطيع الطرف المتأثر أن يصل إليها لعدم توفر الآلية والواسطة أو القابلية والهمّة في تحقيقها. كما قد يحصل هذا النوع من الغيرة بوازع عاطفي بحت، تكون الغيرة العاطفية الممتزجة بغيرة حب التملك مثلاً آخرًا لهذا النوع من الغيرة.
تخريب ما لدى الغير بدوافع الغيرة هو فعل سلبي في المجتمع إن استشرى وانتشر أدى إلى نتائج وخيمة ومؤلمة يدفع ثمنها المجتمع برمته. تستشري الغيرة المخربة غالبًا في المجتمعات الفقيرة ماديًّا وثقافيًّا التي يعاني أبناؤها من العوز والحاجة لعنصر المادة وعنصر الثقافة، فتتوفر بؤر صالحة لتفشي الأمراض النفسية والاجتماعية فيها. بينما تنخفض مقاييس هذه الغيرة في المجتمعات المترفهة والمتطورة ماديًّا وثقافيًّا، حيث تنتعش فيها الغيرة الخلاّقة التي من خلالها يبدع الإنسان، ويتطور في عمله وبحثه ومسيرته، وتكون المنافسة عادة في أوجها نحو سلّم العلياء والتطور والعطاء.
5 - الغيرة العاطفية: وهي غيرة شائعة بين الناس أساسها العاطفة والحب وتتجلى هذه بغيرة الزوج على زوجته أو العكس أو غيرة الإخوان والأخوات في الفوز على القدح المعلّى من محبة الوالدين أو غيرة الطفل بين أقرانه في الاستحواذ على الاهتمام والمعزة  أو بين الأم وزوجة الابن بسبب التنافس على مصدر المحبة والاهتمام، وغيرها من الأمثلة كثير يجتمع فيها الحب وحب التملك في إثارة وتحفيز الغيرة. الغيرة العاطفية إن بقت في حدودها المعقولة فهي أمر طبيعي ومقبول، لكنها قد تتطور إلى حالة الوسواس والتطرف، فتصبح غيرة مخربة قد تؤدي الى نتائج سيئة قد لا تحمد عقباها.
6 - الغيرة الكامنة والغيرة المعلنة: في الغيرة الكامنة لا يفصح المرء عن مواقع غيرته كي لا يشعر الطرف الآخر بذلك، وهنا قد تصدر تصرفات قد تنم عن الكراهية من الطرف المتأثر نحو الطرف المؤثر، مما قد لا تجعل الأخير يفهم  سبب بعض تصرفات الطرف المتأثر العدوانية نحوه، التي تكون عادة بدون مبرر واضح. أما الغيرة المعلنة فهي التي لا يستطيع الطرف المتأثر إخفاءها، فتظهر من خلال المظهر أو القول أو الفعل أمام الطرف المؤثر.
7 - غيرة حب التملك: تنبعث من أساس حب الإنسان للتميز عن غيره بما يملك من حاجة أو مال أو موهبة أو مركز أو وظيفة أو إرث أو أصدقاء وأحباب، حيث لا يريد أن يشاركه أو ينافسه أو يفوقه بما يملك طرف آخر.
8 - الغيرة المرضيّة أو (وسواس الغيرة): حينما تتجاوز الغيرة حدودها الطبيعية، أي تدخل في إطار وسواس الغيرة، فإنها قد تؤدي إلى نتائج غير حميدة، وتسمى عندها بـ"الغيرة المرضيّة"، لأنها قد تخفي وراءها حالات مرض اجتماعية أو نفسيّة أو عقلية. من هنا نستطيع تصنيف الغيرة المرضيّة وحسب أسبابها الى الصنفين التاليين:
أ‌- الغيرة المنبعثة عن الأمراض الاجتماعية: لأمراض المجتمع أثر كبير وواضح في إيجاد أو تحفيز الغيرة السلبية المخربة فيه، حيث كلما تزداد أمراض المجتمع تزداد معها درجات وحالات الغيرة السلبية عند أبنائه. حينما تعلو الكفة السلبية في "ميزان الرفاه الاجتماعي العام" للمجتمع تعلو معها نسبة الأمراض الاجتماعية فيه. الأمثلة على الأمراض الاجتماعية المحفزة للغيرة المرضية كثيرة أذكر منها: عقدة الشعور بالنقص، فقدان الثقة بالنفس، القذف بما في النفس أي تسقيط صفات النفس السلبية على الآخر، حالات الأنانية كحب الذات أو حب الأنا والنرجسيّة، كراهية الغير، العدوانيّة المرضيّة، التمرد الاجتماعي والابتعاد عن القيم الاجتماعية الصحيحة وغيرها من العلل الاجتماعية الأخرى التي تحفز الغيرة السلبية في المجتمع وحسب ميكانيكية خاصة لكل حالة.
ب‌- الغيرة المنبعثة عن الأمراض النفسيّة والعقليّة: قد تكون الغيرة عارض من عوارض بعض الأمراض النفسيّة والعقلية التي يعاني منها الإنسان مثل: مرض القلق النفسي، الكآبة بنوعيها الداخلي "الباطني" والتفاعلي، الوسواس القهري، السايكوباثية وغيرها من الأمراض الأخرى حتى ننتهي  بمرض فصام الشخصية أو ما يسمى الـ "السكيزوفرينيا ". هذه الأمراض قد تكون بحد ذاتها سببًا رئيسيًّا في إيجاد ظاهرة الغيرة، أو أنها تلعب دورًا محفزًا في إثارتها وتحفيزها، كما أن في كل هذه الحالات يكون "وهم الاعتقاد" هو أساس هذه الغيرة التي تكون في أغلب الأحيان من النوع العاطفي. فبسبب الحب الشديد لشخص الحبيب أو بداعي غيرة حب التملك قد يتصور الطرف المتأثر والمصاب بأمراض الوسواس أو القلق النفسي مثلاً تصورات قد تخالف الحقيقة فتثير جنون الغيرة عنده، حيث يحصل سوء في تفسير قول أو فعل أو تصرف. الوهم في الاعتقاد والتفسير بسبب الحالة المرضيّة يولد الشك والشك، وحسب درجته، يطلق نار الغيرة.
أما مرضى الفصام فهم  يتوهمون "حسيًّا" و"اعتقاديًّا" في تصوراتهم، وأحد أعراض هذه الأوهام هو إثارة الغيرة عندهم، لأن الوهم عند هؤلاء المرضى يجتاز مرحلة الشك ويدخل خانة الحقيقة. المريض بفصام الشخصيّة يعاني من "الوهم الحسي" أي أنه يرى أمورًا ليس لها وجود واقعي أو يسمع أخبارًا لا ناقل حقيقي لها، قد تكون موجّهة لشريك أو شريكة الحياة فتوجد نار الغيرة القاسية. أو قد يكون الوهم المسبب للغيرة  "اعتقادي" أو "إدراكي" الطابع، وأعني  بذلك أن المريض يخطأ في تفسير فعل أو حركة أو قول، فإن نظرت أو أومأت زوجته ببراءة لأحد أو تحدثت مع أحد فسّر الفصامي ذلك بقصد الخيانة الزوجيّة !.

من خلال هذا الطرح نستشف بأن الغيرة الإيجابية هي ضرورة في المجتمع من أجل التحفيز والانبعاث والتقدم، بينما الغيرة السلبية المرضيّة وغير المرضيّة لها آثار مضرة في المجتمع، إذ تتحفز بوجودها الكراهية وسوء التعامل بين الناس من جهة، وتتحدد وتعاق حرية الحركة والتصرف عند الغير من شركاء حياة أو زملاء مسيرة وعمل من جهة أخرى. ومهما يكن من أمر فعلاج ظاهرة الغيرة السلبية  ليس بالأمر الهين، إذ يتطلب ذلك جهود كل الأطراف من متأثر ومؤثر ومحيط وتربية ومجتمع. فكلما تطورت المجتمعات كلما تحجمت ظاهرة الغيرة السلبية فيها، وكلما تراجعت هذه المجتمعات كلما ازدادت حدتها فيها، شأنها شأن الأمراض الاجتماعية الأخرى وعلاجها لا يختلف عن علاج تلك الأمراض. في الوقت الذي يجب أن تشجع فيه الغيرة الإيجابية والمبدعة عند المجتمعات من خلال إيجاد المنافسات بين أهل الكفاءة والابداع، على هذه المجتمعات أن تثقف أبناءها من أجل تجنب الغيرة المخربة وبكل أنواعها وأسبابها وذلك من خلال الاستنارة بالتعاليم الاخلاقية والقيم المبدعة التي تنبذ التصرفات غير الحميدة بكل شكل من أشكالها.

أما الغيرة المرضيّة أو وسواس الغيرة نفسيّ أو عقلي المنشأ، فيجب معالجة مسبباتها، أي معالجة الحالة النفسيّة والعقلية، التي تكمن خلفها. أخطر أنواع الغيرة التي يعاني منها الإنسان هي الغيرة المنبعثة عند الفصاميين، فقد تتولد جراء هذه الغيرة إشكالات وعذابات عند شركاء حياة هؤلاء وعند المقربين منهم، إذ قد تصل مضاعفات الغيرة إلى حد الإجرام والقتل! علاج هذه الحالة تكمن أيضًا بمعالجة السبب وحسب إرشادات أطباء الأمراض النفسيّة والعقلية المختصين بهذه الأمراض.  

د. محمد مسلم الحسيني
أخصائي علم الأمراض - بروكسل

author-img
هنا جلال

تعليقات

ليست هناك تعليقات

    google-playkhamsatmostaqltradent